هلاك الحركة لا يعني هلاك الناس
نور الدين زاوش
لقد أثار الكتاب الأخير للأستاذ فريد الأنصاري " الأخطاء الستة للحركة الإسلامية " ضجة كبيرة، لما هو معروف عن الأستاذ الفاضل من قوة في الحق، ومن ضبط للشريعة وأصولها ومقاصدها، ومن صراحة ناذرة لا يجرؤ على البوح بها إلا من كرس حياته لنصرة دين الله، ولم يخش إلا الله.
ولعل من أسباب الإقبال المهول على هذا الكتاب، هو تعطش المثقفين والمتحمسين للحل الإسلامي، والمتتبعين لخطوات الحركة الإسلامية بالمغرب لمسارات التصحيح، حينما لمسوا انحرافات لم يجدوا لها مسوغا، وانزلاقات لم يعثروا لها على أسباب واضحة، ومصائب لم يقفوا لها على مبررات أو أعذار، فجاء هذا الكتاب، في أوانه ليكشف المستور ويوضح المبهم، فأقبل الناس على اقتناء الكتاب بنهم وشراهة غير مسبوقين، حتى أن بعض المكتبات قد نفدت ذخيرتها من هذا الكتاب، فطلبت المزيد مرات عديدة.
لا أحد يجادل في أن الأستاذ الفاضل سوف يكون محط انتقاد لاذع، وسوف يتعرض لتهجمات ويُنعت بأوصاف لا تليق، ولعله يتهم بتهم جاهزة مافتئت الحركة الإسلامية أن تصف بها معارضيها، حتى ولو كان من خيرة أبنائها، وممن يتحسرون أسى على انحرفاتها، ويرجون سلامتها وعافيتها.
حينما أدعي بأن الأستاذ الفاضل سوف يتعرض لزوبعة من التشكيكات والتهم، فليس هذا من باب التنبؤ بالغيب، إنما هو من باب معرفة النواميس التي أودعها الله في هذا الكون، وخلاصتها أن أغلب الناس للحق كارهون، فهم يعتمدون على ما استطاعوا من وسائل لينفوا عن أنفسهم انحرافات ثابتة، ويثبتوا أوصافا منتفية، ولا شك أن من بين ما سوف يلجؤون إليه هو محاولة إيجاد تأصيل شرعي لكل ما أثير في الكتاب، لكن الحق أبلج، وإذا استطاع الباطل أن يربح جولة، فالحق حتما سيربح المعركة.
ليس هناك أدنى عيب في أن يعتمد الناس على التأصيل الشرعي لتبيين الحقائق، بل هو مطلوب وضروري، لكن علينا أن نعي جيدا أن كل الطرق مهما كانت ضالة، وكل السبل مهما كان حجم انحرافاتها، وكل العقائد مهما كان نوع الشرك الذي يتخبط فيها، فهي تدعي اتباعها للكتاب والسنة فتبحث عن مسوغات دينية، ونصوص شرعية تنصر بها بدعها وانزلاقاتها.
كان من المفروض أن يُقتنى هذا الكتاب ليوضع في مكتبات الحركة الإسلامية، ويُناقش في الجلسات التربوية، واللقاءات التنظيمية وفي الهيآت والجموع العامة، حتى يقوم المسار ويوضع الأصبع على مكمن الداء، فقد أنشئت الحركة الإسلامية من أجل الدفاع عن الحق، وليس من أجل الدفاع عن الحركة الإسلامية.
لقد انقلب الوعي داخل الحركة الإسلامية، فأصبح أبناؤها يعتقدون أنهم جزء من الحق، ومن ثم فإنهم يرون استحالة الدفاع عن الحق بدون الدفاع عن الحركة الإسلامية.
كثيرة هي الأمراض التي دبت إلى هذا الجسد الذي ابتدأ معافى من كل داء، وسرعان ما انتشرت فيه الأدواء محطة تلو محطة، وموقفا بعد موقف، إلى أن توج الأمر بولوج الحركة الإسلامية إلى مستنقع السياسة تحت غطاء التخصصات.
لا ننفي دور العمل السياسي في تسهيل عمل الحركة الإسلامية، وفي إيجاد مجالات حيوية وخصبة لاشتغالها، وتطوير أدائها، وخلق دِرع واق لها من انجرافات العلمانيين والحداثيين، لكن هذا الإقحام السياسي تم قبل أن ينضج الدعاة، وقبل أن يستقر المنهج التربوي الضامن لعدم سقوطهم في بركة الغنيمة التي تقلب الموازين رأسا على عقب.
لستُ أرى أن السياسة نجاسة وجب التطهر منها، وشرك وجب البعد عنه، لكن اقتحامها لا يجعلنا نغفل السبب الرئيسي الذي من أجله اقتحمنا ميادينها، وجندنا الطاقات والهيآت والمؤسسات لخدمتها، وهذا السبب ليس إلا حماية مكتسبات الدعوة في مفهومها الشمولي، ومتى ينحرف المسار السياسي عن الأهداف التي أنشئ من أجلها، فلا بد من حركات تصحيحية لترجع القطار الذي حاد عن السكة إلى السكة من جديد، قبل أن يقع المحظور، وقبل أن نقع في الخطيئة الجماعية التي كان من المفروض أن نكون أول من يحاربها.
هذا ما فعله بالضبط الأستاذ فريد الأنصاري، فكتابه: "الأخطاء الستة" لا يعدو أن يكون محاولة محتشمة في التصحيح لا غير، وفي الوقت الذي كان علينا أن نحتضن هذا الكتاب، ونكرم كاتبه ونجزل له في الثناء، من منطلق أن كل عمل لا يتبعه تقويم وتصحيح وانتقاد هادف مآله الضمور والاندثار، هرعنا لأن نرد عليه ـ بما يصح ولا يصح ـ وكأنه قد أتى بعمل شيطاني وجب محاربته قبل فوات الأوان، بدعوى الإعذار إلى الله الذي تنقلب إليه الأمور.
لقد انتظرتُ طويلا لأرى بما سيتحجج به الدكتور الفاضل الريسوني أمام صديقه الأنصاري، إلا أنني لم أجد في ردوده في جريدة التجديد، ما يفي بالغرض المطلوب، ولعل أبناء الحركة الإسلامية التواقين دوما لمن ينتصر لمنهجهم ومؤسساتهم وطريقة تفكيرهم، قد أصيبوا بخيبة أمل عريضة، فلا هو أثلج صدورهم بما يفترض فيه من قوة البيان والإقناع، ولا هو سكت فيعتقدوا أن سكوته دليل على أن كتاب الأنصاري مجرد هذيان لا يستحق الرد.
كثيرون من يقولون بأن كتاب الأنصاري كان له توقيت سيء، فحزب العدالة والتنمية كان وقتها على أبواب الاستحقاقات التشريعية، وبالتالي فهم يرون أن الأنصاري لو كان يريد الخير للإسلام والمسلمين لانتظر حتى تضع الحرب أوزارها، وبعد الانتخابات له أن يكتب ما شاء.
إن أبناء الحركة الإسلامية قد جُبلوا على تأويل المواقف والأحداث بعقلية نظرية المؤامرة، وهذا ما أسميه الخطأ السابع الذي لم يرد ذكره في كتاب الأنصاري القيم، فالحركة الإسلامية بدل أن تُخرِّج دعاة بفكر مفتوح يقبل رأي الآخر ولا يلغيه، وقلب كبير يستوعب حالات الآخر ولا يسفهه، أصبحت تنتج نماذج
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ